الركن الأول فى التوبة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الركن الأول فى التوبة

مُساهمة  mustapha airou في الإثنين مارس 25, 2013 5:01 pm


اعلم أن التوبة عبارة عن معنى ينتظم ويلتثم من ثلاثة أمور مرتبة: علم، وحال، وفعل.

فالعلم الأول، والحال الثاني، والفعل الثالث.

والأول موجب للثاني، والثاني موجب للثالث إيجابا اقتضاه إطراد سنة الله في الملك والملكوت.

أما العلم؛ فهو معرفة عظم ضرر الذنوب وكونها حجابا بين العبد وبين كل محبوب، فإذا عرف ذلك معرفة محققة بيقين غالب على قلبه ثار من هذه المعرفة تألم للقلب بسبب فوات المحبوب، فإن القلب مهما شعر بفوات محبوبه تألم، فإن كان فواته بفعله تأسف على الفعل المفوت، فيسمى تألمه بسبب فعله المفوت لمحبوبه ندما، فإذا غلب هذا الألم على القلب واستولى وانبعث من هذا الألم في القلب حالة أخرى تسمى إرادة وقصدا إلى فعل له تعلق بالحال والماضي وبالاستقبال، أما تعلقه (بالحال) فبالترك للذنب الذي كان ملابسا، وأما (بالاستقبال) فبالعزم على ترك الذنب المفوت للمحبوب إلى آخر العمر، وأما (بالماضي) فبتلافي ما فات بالجبر والقضاء إن كان قابلا للجبر، فالعلم هو الأول، وهو مطلع هذه الخيرات، وأعني بهذا العلم الإيمان واليقين، فإن الإيمان عبارة عن التصديق بأن الذنوب سموم مهلكة، واليقين عبارة عن تأكد هذا التصديق، وانتفاء الشك عنه واستيلائه على القلب فيثمر نور هذا الإيمان مهما أشرق على القلب نار الندم فيتألم بها القلب حيث يبصر بإشراق نور الإيمان أنه صار محجوبا عن محبوبه، كمن يشرق عليه نور الشمس وقد كان في ظلمة فيسطع النور عليه بانقشاع سحاب أو انحسار حجاب فرأى محبوبه، وقد أشرف على الهلاك فتشعل نيران الحب في قلبه وتنبعث تلك النيران بإرادته للانتهاض للتدارك، فالعلم والندم والقصد المتعلق بالترك في الحال والاستقبال والتلافي للماضي ثلاثة معان مرتبة في الحصول فيطلق اسم التوبة على مجموعها، وكثيرا ما يطلق اسم التوبة على معنى الندم وحده، ويجعل العلم كالسابق، والمقدمة والترك كالثمرة، والتابع المتأخر، وبهذا الاعتبار قال صلى الله عليه وسلم : ((الندم توبة))[1] إذ لا يخلو الندم عن علم أوجبه وأثمره، وعن عزم يتبعه ويتلوه، فيكون الندم محفوفا بطرفيه فيه أعني ثمرته ومثمره، وبهذا الاعتبار قيل في حد التوبة: إنه ذوبان الحشا لما سبق من الخطأ، فإن هذا يعرض لمجرد الألم، ولذلك قيل: هو نار في القلب تلتهب، وصدع في الكبد لا ينشعب، وباعتبار معنى الترك قيل في حد التوبة: إنه خلع لباس الجفاء، ونشر بساط الوفاء. *** وقال سهل بن عبد الله التستري: التوبة تبديل الحركات المذمومة بالحركات المحمودة، ولا يتم ذلك إلا بالخلوة والصمت وأكل الحلال. *** وكأنه أشار إلى المعنى الثالث من التوبة. *** والأقاويل في حدود التوبة لا تنحصر، وإذا فهمت هذه المعاني الثلاثة وتلازمها وترتيبها عرفت أن جميع ما قيل في حدودها قاصر عن الإحاطة بجميع معانيها، وطلب العلم بحقائق الأمور أهم من طلب الألفاظ المجردة. ***
بيان وجوب التوبة وفضلها

اعلم أن وجوب التوبة ظاهر بالأخبار[2] والآيات، وهو واضح بنور البصيرة عند من انفتحت بصيرته وشرح الله بنور الإيمان صدره حتى اقتدرت على أن يسعى بنوره الذي بين يديه في ظلمات الجهل مستغنيا عن قائد يقوده في كل خطوة.

فالسالك إما أعمى لا يستغني عن القائد في خطوه، وإما بصير يهدي إلى أول الطريق ثم يهتدي بنفسه، وكذلك الناس في طريق الدين ينقسمون هذا الانقسام، فمن قاصر لا يقدر على مجاوزة التقليد في خطوه فيفتقر إلى أن يسمع في كل قدم نصا من كتاب الله أو سنة رسوله، وربما يعوزه ذلك فيتحير، فسير هذا - وإن طال عمره وعظم جده - مختصر وخطاه قاصرة.

ومن سعيد شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه، فيتنبه بأدنى إشارة لسلوك طريق معوصة وقطع عقبات متعبة ويشرق في قلبه نور القرآن ونور الإيمان، وهو لشدة نور باطنه يجتزيء بأدنى بيان، فكأنه يكاد زيته يضيء ولو لم تمسسه نار، فإذا مسته نار فهو نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء، وهذا لا يحتاج إلى نص منقول في كل واقعة، فمن هذا حاله إذا أراد أن يعرف وجوب التوبة فينظر أولا بنور البصيرة إلى التوبة ما هي، ثم إلى الوجوب ما معناه، ثم يجمع بين معنى الوجوب والتوبة فلا يشك في ثبوته لها، وذلك بأن يعلم بأن معنى الواجب ما هو واجب في الوصول إلى سعادة الأبد، والنجاة من هلاك الأبد فإنه لولا تعلق السعادة والشقاوة بفعل الشيء وتركه لم يكن لوصفه بكونه واجبا معنى.

وقول القائل: صار واجبا بالإيجاب، حديث محض، فإن مالا غرض لنا آجلا وعاجلا في فعله وتركه فلا معنى لاشتغالنا به، أوجبه علينا غيرنا أو لم يوجبه، فإذا عرف معنى الوجوب، وأنه الوسيلة إلى سعادة الأبد، وعلم أن لا سعادة في دار البقاء إلا في لقاء الله تعالى، وأن كل محجوب عنه يشقى لا محاله محول بينه وبين ما يشتهي، محترق بنار الفراق ونار الجحيم، وعلم أنه لا مبعد عن لقاء الله إلا اتباع الشهوات، والأنس بهذا العالم الفاني، والإكباب على حب ما لا بد من فراقه قطعا، وعلم أنه لا مقرب من لقاء الله إلا قطع علاقة القلب عن زخرف هذا العالم، والإقبال بالكلية على الله طلبا للأنس به بدوام ذكره، وللمحبة له بمعرفة جلاله وجماله على قدر طاقته، وعلم أن الذنوب التي هي إعراض عن الله واتباع لمحاب الشياطين أعداء الله المبعدين عن حضرته سبب كونه محجوبا مبعدا عن الله تعالى فلا يشك في أن الانصراف عن طريق البعد واجب للوصول إلى القرب، وإنما يتم الانصراف بالعلم والندم والعزم، فإنه ما لم يعلم أن الذنوب أسباب البعد عن المحبوب لم يندم ولم يتوجع بسبب سلوكه في طريق البعد، وما لم يتوجع فلا يرجع ومعنى الرجوع الترك والعزم فلا يشك في أن المعاني الثلاثة ضرورية في الوصول إلى المحبوب وهكذا يكون الإيمان الحاصل عن نور البصيرة، وأما من لم يترشح لمثل هذا المقام المرتفع ذروته عن حدود أكثر الخلق، ففي التقليد والاتباع له مجال رحب يتوصل به إلى النجاة من الهلاك، فليلاحظ فيه قول الله وقول رسوله، وقول السلف الصالحين فقد قال الله تعالى : ﴿ وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون ﴾ (النور : 31) وهذا أمر على العموم، وقال الله تعالى : ﴿ يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا ﴾ (التحريم : Cool الآية ومعنى النصوح : الخالص لله تعالى خاليا عن الشوائب مأخوذ من النصح ويدل على فضل التوبة قوله تعالى : ﴿ إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ﴾ (البقرة : 222) وقال صلى الله عليه وسلم : ((التائب حبيب الله، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له))[3]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((الله أفرح بتوبة العبد المؤمن من رجل نزل في أرض دوية مهلكة معه راحلته عليها طعامه وشرابه فوضع رأسه فنام نومه فاستيقظ وقد ذهبت راحلته فطلبها حتى إذا اشتد عليه الحر والعطش أو ما شاء الله قال: أرجع إلى مكاني الذي كنت فيه فأنام حتى أموت.

فوضع رأسه على ساعده ليموت، فاستيقظ فإذا راحلته عنده عليها زاده وشرابه، فالله تعالى أشد فرحا بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته))[4]وفي بعض الألفاظ ((قال من شدة فرحه إذ أراد شكر الله: أنا ربك وأنت عبدي)) ويروى عن الحسن قال: لما تاب الله عز وجل على آدم عليه السلام هنأته الملائكة وهبط عليه جبريل وميكائيل عليهما السلام فقالا: يا آدم قرت عينك بتوبة الله عليك، فقال آدم عليه السلام: يا جبريل فإن كان بعد هذه التوبة سؤال فأين مقامي ؟ فأوحى الله إليه: يا آدم ورثت ذويك التعب والنصب وورثتهم التوبة، فمن دعاني منهم لبيته كما لبيتك ومن سألني المغفرة لم أبخل عليه لأني قريب مجيب، يا آدم وأحشر التائبين من القبور مستبشرين ضاحكين ودعاؤهم مستجاب، والأخبار والآثار في ذلك لا تحصى، والإجماع منعقد من الأمة على وجوبها، إذ معناه العلم بأن الذنوب والمعاصي مهلكات ومبعدات من الله تعالى، وهذا داخل في وجوب الإيمان ولكن قد تدهش الغفلة عنه، فمعنى هذا العلم إزالة هذه الغفلة، ولا خلاف في وجوبها، ومن معانيها: ترك المعاصي في الحال والعزم على تركها في الاستقبال وتدارك ما سبق من التقصير في سابق الاحوال، وذلك لا يشك في وجوبه.

وأما التندم على ما سبق والتحزن عليه فواجب، وهو روح التوبة، وبه تمام التلافي، فكيف لا يكون واجبا ؟ بل هو نوع ألم يحصل لا محالة عقيب حقيقة المعرفة بما فات من العمر وضاع في سخط الله.

فإن قلت : تألم القلب أمر ضروري لا يدخل تحت الاختيار، فكيف يوصف بالوجوب ؟ فاعلم أن سببه تحقيق العلم بفوات المحبوب وله سبيل إلى تحصيل سببه، وبمثل هذا المعنى دخل العلم تحت الوجوب لا بمعنى أن العلم يخلقه العبد ويحدثه في نفسه فإن ذلك محال، بل العلم والندم والفعل والإرادة والقدرة والقادر الكل من خلق الله وفعله﴿والله خلقكم وما تعملون ﴾ (الصافات : 96) هذا هو الحق عند ذوي الأبصار وما سوى هذا ضلال.

فإن قلت : أفليس للعبد اختيار في الفعل والترك ؟ قلنا: نعم، وذلك لا يناقض قولنا: إن الكل من خلق الله تعالى، بل الاختيار أيضا من خلق الله، والعبد مضطر في الاختيار الذي له، فإن الله إذا خلق اليد الصحيحة وخلق الطعام اللذيذ، وخلق الشهوة للطعام في المعدة، وخلق العلم في القلب بأن هذا الطعام يسكن الشهوة، وخلق الخواطر المتعارضة في أن هذا الطعام هل فيه مضرة مع أنه يسكن الشهوة، وهل دون تناوله مانع يتعذر معه تناوله أم لا، ثم خلق العلم بأنه لا مانع، ثم عند اجتماع هذه الأسباب تنجزم الارادة الباعثة على التناول، فانجزام الإرادة بعد تردد الخواطر المتعارضة وبعد وقوع الشهوة للطعام يسمى اختيارا، ولا بد من حصوله عند تمام أسبابه، فإذا حصل انجزام الإرادة بخلق الله تعالى إياها تحركت اليد الصحيحة إلى جهة الطعام لا محالة، إذ بعد تمام الإرادة والقدرة يكون حصول الفعل ضروريا فتحصل الحركة، فتكون الحركة بخلق الله بعد حصول القدرة وانجزام الإرادة، وهما أيضا من خلق الله، وانجزام الإرادة يحصل بعد صدق الشهوة والعلم بعدم الموانع، وهما أيضا من خلق الله تعالى، ولكن بعض هذه المخلوقات يترتب على البعض ترتيبا جرت به سنة الله تعالى في خلقه ﴿ولن تجد لسنة الله تبديلا﴾ (الأحزاب : 62، الفتح : 23) فلا يخلق الله حركة اليد بكتابة منظومة ما لم يخلق فيها صفة تسمى قدرة، وما لم يخلق فيها حياة، وما لم يخلق إرادة مجزومة، ولا يخلق الإرادة المجزومة ما لم يخلق شهوة وميلا في النفس، ولا ينبعث هذا الميل انبعاثا تاما ما لم يخلق علما بأنه موافق للنفس إما في الحال أو في المآل، ولا يخلق العلم أيضا إلا بأسباب أخر ترجع إلى حركة وإرادة وعلم ؛ فالعلم والميل الطبيعي أبدا يستتبع الإرادة الجازمة، والقدرة والإرادة أبدا تستردف الحركة، وهكذا الترتيب في كل فعل، والكل من اختراع الله تعالى، ولكن بعض مخلوقاته شرط لبعض، فلذلك يجب تقدم البعض، وتأخر البعض كما لا تخلق الإرادة إلا بعد العلم، ولا يخلق العلم إلا بعد الحياة، ولا تخلق الحياة إلا بعد الجسم، فيكون خلق الجسم شرطا لحدوث الحياة، لا أن الحياة تتولد من الجسم، ويكون خلق الحياة شرطا لخلق العلم، لا أن العلم يتولد من الحياة، ولكن لا يستعد المحل لقبول العلم إلا إذا كان حيا، ويكون خلق العلم شرطا لجزم الإرادة، لا أن العلم يولد الإرادة، ولكن لا يقبل الإرادة إلا جسم حى عالم، ولا يدخل في الوجود إلا ممكن، والإمكان ترتيب لا يقبل التغيير لأن تغييره محال، فمهما وجد شرط الوصف استعد المحل به لقبول الوصف فحصل ذلك الوصف من الجود الإلهي والقدرة الأزلية عند حصول الاستعداد، ولما كان للاستعداد بسبب الشروط ترتيب كان لحصول الحوادث بفعل الله تعالى ترتيب، والعبد مجرى هذه الحوادث المرتبة، وهي مرتبة في قضاء الله تعالى الذي هو واحد كلمح البصر ترتيبا كليا لا يتغير، وظهورها بالتفصيل مقدر بقدر لا يتعداها وعنه العبارة بقوله تعالى: ﴿ إنا كل شيء خلقناه بقدر ﴾ (القمر : 49) وعن القضاء الكلي الأزلي العبارة بقوله تعالى: ﴿ وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر ﴾ (القمر : 50) وأما العباد فإنهم مسخرون تحت مجاري القضاء والقدر، ومن جملة القدر خلق حركة في يد الكاتب بعد خلق صفة مخصوصة في يده تسمى القدرة، وبعد خلق ميل قوي جازم في نفسه يسمى القصد، وبعد علم بما إليه ميله يسمى الإدراك والمعرفة، فإذا ظهرت من باطن الملكوت هذه الأمور الأربعة على جسم عبد مسخر تحت قهر التقدير سبق أهل عالم الملك والشهادة المحجوبون عن عالم الغيب والملكوت، وقالوا: يا أيها الرجل قد تحركت ورميت وكتبت، ونودي من وراء حجاب الغيب وسرادقات الملكوت ﴿ وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ﴾ (الأنفال : 17) وما قتلت إذ قتلت ولكن ﴿ قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ﴾(التوبة : 14) وعند هذا تتحير عقول القاعدين في بحبوحة عالم الشهادة فمن قائل إنه جبر محض، ومن قائل إنه اختراع صرف، ومن متوسط مائل إلى أنه كسب، ولو فتح لهم أبواب السماء فنظروا إلى عالم الغيب والملكوت لظهر لهم أن كل واحد صادق من وجه، وأن القصور شامل لجميعهم، فلم يدرك واحد منهم كنه هذا الأمر ولم يحط علمه بجوانبه، وتمام علمه ينال بإشراق النور من كوة نافذة إلى عالم الغيب، وأنه تعالى عالم الغيب والشهادة لا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول، وقد يطلع على الشهادة من لم يدخل في حيز الارتضاء، ومن حرك سلسلة الأسباب والمسببات وعلم كيفية تسلسلها ووجه ارتباط مناط سلسلتها بمسبب الأسباب انكشف له سر القدر وعلم علما يقينا أن لا خالق إلا الله ولا مبدع سواه.

فإن قلت : قد قضيت على كل واحد من القائلين بالجبر والاختراع، والكسب أنه صادق من وجه وهو مع صدقه قاصر وهذا تناقض، فكيف يمكن فهم ذلك ؟ وهل يمكن إيصال ذلك إلى الأفهام بمثال ؟ فاعلم أن جماعة من العميان قد سمعوا أنه حمل إلى البلدة حيوان عجيب يسمى الفيل، وما كانوا قط شاهدوا صورته ولا سمعوا اسمه، فقالوا : لا بد لنا من مشاهدته ومعرفته باللمس الذي نقدر عليه، فطلبوه، فلما وصلوا إليه لمسوه فوقع يد بعض العميان على رجليه، ووقع يد بعضهم على نابه، ووقع يد بعضهم على أذنه، فقالوا : قد عرفنا انصرفوا سألهم بقية العميان فاختلفت أجوبتهم، فقال الذي لمس الرجل : إن الفيل ما هو إلا مثل أسطوانة خشنة الظاهر إلا أنه ألين منها، وقال الذي لمس الناب: ليس كما يقول بل هو صلب لا لين فيه، وأملس لا خشونة فيه، وليس في غلظ الأسطوانة أصلا بل هو مثل عمود، وقال الذي لمس الأذن : لعمري هو لين، وفيه خشونة، فصدق أحدهما فيه ولكن قال : ما هو مثل عمود ولا هو مثل اسطوانة وإنما هو مثل جلد عريض غليظ، فكل واحد من هؤلاء صدق من وجه إذ أخبر كل واحد عما أصابه من معرفة الفيل، ولم يخرج واحد في خبره عن وصف الفيل، ولكنهم بحملتهم قصروا عن الإحاطة بكنه صورة الفيل، فاستبصر بهذا المثال واعتبر به فإنه مثال أكثر ما اختلف الناس فيه، وإن كان هذا كلاما يناطح علوم المكاشفة ويحرك أمواجها وليس ذلك من غرضنا، فلنرجع إلى ما كنا بصدده وهو بيان أن التوبة واجبة بجميع أجزائها الثلاثة : العلم والندم والترك، وأن الندم داخل في الوجوب لكونه واقعا في جملة أفعال الله المحصورة بين علم العبد وإرادته وقدرته المتخللة بينها، وما هذا وصفه فاسم الوجوب يشمله.
avatar
mustapha airou
Admin

المساهمات : 76
تاريخ التسجيل : 31/10/2012
العمر : 23
الموقع : tizi nisly

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://pumabox.alafdal.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى